المقريزي
414
إمتاع الأسماع
في آخر يوم من ذي الحجة فقال : ألا ما تتركوا في جزيرة العرب دينين ، انبذوا إلى كل ذي دين خالف الإسلام أن يخرجوا من جزيرة العرب : ألا لعن الله الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ، ويتخذون آبارهن معاطن ، إن أهل الكتاب خالفوا أنبيائهم واتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، وآبارهم معاطن فلا تضلوا عن سنتي به . ذكر نعي النبي صلى الله عليه وسلم وإنذاره بذلك قبل موته عليه السلام اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله تعالى عليه ( إذا جاء نصر الله والفتح ) ( 1 ) كانت علامة لاقتراب ، أجله وعارضه جبريل عليه الصلاة والسلام بالقرآن في ذلك العام مرتين فكانت علامة أخرى لأجله وخيره الله تعالى بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة ، فكانت علامة أخرى لآخر أجله ، إلى غير ذلك . فأما نزول ( إذا جاء نصر الله والفتح ) فخرج البخاري في غزوة الفتح ( 2 ) من طريق موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان عمر
--> ( 1 ) النصر : 1 . ( 2 ) ( فتح الباري ) : 8 / 953 ، باب ( 4 ) قوله : ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) تواب على العباد ، والتواب من الناس التائب من الذنب ، حديث رقم ( 4970 ) هو كلام الفراء في موضعين . قوله : " كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر " أي من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار ، وكانت عادت عمر إذا جلس للناس أن يدخلوا عليه على قدر منازلهم في السابقة ، وكان ربما أدخل مع أهل المدينة من ليس منهم إذا كان فيه مزية تجبر ما فاته من ذلك . قوله : ( فكان بعضهم وجد ) أي غضب . ولفظ ( وجد ) الماضي يستعمل بالاشتراك بمعنى الغضب والحب والغنى واللقاء ، سواء كان الذي يلقى ضالة أو مطلوبا أو إنسانا أو غير ذلك . قوله : ( لم تدخل هذا معنا ، ولنا أبناء مثله ) ؟ ولابن سعد من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير ( كان أناس من المهاجرين وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس ) وفي تاريخ محمد ابن عثمان بن أبي شيبة من طريق عاصم بن كليب عن أبيه نحوه وزاد ( وكان عمر أمره أن لا يتكلم حتى يتكلوا ، فسألهم عن شئ فلم يجيبوا . وأجابه ابن عباس ، فقال عمر : أعجزتم أن تكونوا مثل هذا الغلام ؟ ثم قال : إني كنت نهيتك أن تتكلم ، على العباد ، والتواب من الناس التائب من الذنب ، حديث رقم ( 4970 ) هو كلام الفراء في موضعين . قوله : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر " أي من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار ، وكانت عادة عمر إذا جلس للناس أن يدخلوا عليه على قدر منازلهم في السابقة ، وكان ربما أدخل مع أهل المدينة من ليس منهم إذا كان فيه مزية تجبر ما فاته من ذلك . قوله : " فكأن بعضهم وجد " أي غضب . ولفظ " وجد " الماضي يستعمل بالاشتراك بمعنى الغضب والحب والغنى واللقاء ، سواء كان الذي يلقى ضالة أو مطلوبا أو أنسانا أو غير ذلك . قوله : " لم تدخل هذا معنا ، ولنا أبناء مثله " ؟ ولابن سعد من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير كان أناس من المهاجرين وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس - وفي تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة من طريق عاصم بن كليب عن أبيه نحوه وزاد كان عمر أمره أن لا يتكلم حتى يتكلموا ، فسألهم عن شئ فلم يجيبوا ، وأجابه ابن عباس ، فقال عمر : أعجزتم أن تكونوا مثل هذا الغلام ؟ ثم قال : إني كنت نهيتك أن تتكلم ، فتكلم الآن معهم " وهذا القائل الذي عبر هنا بقوله : " بعضهم " هو عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد العشرة كما وقع مصرحا به عند المصنف في علامات النبوة من طريق شعبة عن أبي شعبة عن أبي بشر بهذا الإسناد " كان عمر يدني ابن عباس ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : إن لنا أبناء مثله ، وأراد بقوله : " مثله " أي في مثل سنه ، لا في مثل فضله وقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لا أعرف لعبد الرحمن بن عوف ولدا في مثل سن ابن عباس ، فإن أكبر أولاده محمد وبه كان يكنى ، لكنه مات صغيرا وأدرك عمر من أولاده إبراهيم بن عبد الرحمن ، ويقال : إنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إن كان كذلك لم يدرك من الحياة النبوية إلا سنة أو سنتين . لأن أباه تزوج أمه بعد فتح مكة فهو أصغر من ابن عباس بأكثر من عشر سنين ، فلعله أراد بالمثلية غير السن ، أو أراد بقوله : " لنا " من كان له ولد في سن ابن عباس من البدريين إذ ذاك غير المتكلم . قوله : " فقال : إنه من حيث علمتم " . في غزوة الفتح من هذا الوجه بلفظ ، ، إنه أنتم علمتم " وفي رواية شعبه " إنه من حيث نعلم " وأشار بذلك إلى قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى معرفته وفطنته . وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : " قال المهاجرون لعمر : ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس ؟ قال : ذلكم فتى الكهول ، إن له لسانا سؤولا وقلبا عقولا . وأخرج الخرائطي في ( مكارم الأخلاق ) من طريق الشعبي ، الزبير بن بكار من طريق عطاء بن يسار قالا : قال العباس لابنه : إن هذا الرجل يعني عمر - يدنيك ، فلا تفشين له سرا ، ولا تغتابن عنده أحدا ، ولا يسمع منك كذبا . وفي رواية عطاء بدل الثالثة : " ولا تبتدئه بشئ حتى يسألك عنه " . قوله : " فدعا ذات يوم فأدخله معهم " في رواية للكشميهني " فدعاه " ، وفي غزوة الفتح : " فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم " . قوله : " فما رئيت " بضم الراء وكسر الهمزة ، وفي غزوة الفتح من رواية المستملي : " فما أريته " بتقديم الهمزة والمعني واحد . قوله : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) زاد في غزوة الفتح ( فتح مكة ) . قوله : ( وذلك علامة أجلك ) ف ) رواية ابن سعد ( فهو آيتك في الموت ) وفي الباب الذي قبله : ( أجل أو مثل ضرب لمحمد ، نعيت إليه نفسه ) ووهم عطاء بن السائب فروى هذا الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قال النبي صلى الله عليه وسلم : نعيت إلى نفسي ) أخرجه بن مردويه من طريقه ، والصواب رواية حبيب بن ثابت التي في الباب الذي قبله بلفظ ( نعيت إليه نفسه ) وللطبراني من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : ( لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح ونعيت إلى نفسي ) فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة ) ، ولأحمد من طريق أبي رزين عن ابن عباس قال : ( لما نزلت علم أن نعيت إليه نفسه ) ولأبي يعلى من حديث ابن عمر ( نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع ) . وسئلت عن قول الكشاف إن سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام التشريق ، فكيف صدرت بإذا الدالة على الاستقبال ؟ ، فأجبت بضعف ما نقله ، وعلى تقدير صحته فالشروط لم يكتمل بالفتح ، لأنه مجئ الناس أفواجا لم يكن كمل ، فبقية الشرط مستقبل . وقد أورد الطيبي السؤال وأجاب بجوابين : أحدهما : أن ( إذ ) قد ترد بمعنى ( إذا ) كما في قوله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة ) الآية . ثانيهما : أن كلام الله قديم ، وفي كل من الجوابين نظر لا يخفى . قوله : ( إلا ما تقول ) في غزوة الفتح ( إلا ما تعلم ) زاد أحمد وسعيد بن منصور في روايتهما عن هشيم عن أبي بشر في هذا الحديث في أخره ( فقال عمر : كيف تلومونني على حب ما ترون ) ووقع في رواية ابن سعد أنه سألهم حينئذ عن ليلة القدر ، وذكر جواب ابن عباس واستنباطه وتصويب عمر قوله ، وقد تقدمت لابن عباس مع عمر قصة أخري في أواخر سورة البقرة ، لكن أجابوا فيها بقولهم : الله أعلم ، فقال عمر : قولوا : نعلم أو لا نعلم ، فقال ابن عباس : في نفسي منها شئ ، الحديث . وفيه فضيلة ظاهرة لابن عباس وتأثير لإجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الله تأويل ويفقهه في الدين ، كما تقدم في كتاب العلم ، وفيه جواز تحديث المرء عن نفسه بمثل هذا لإظهار نعمة الله عليه ، وإعلام من لا يعرف قدره لينزله منزلته ، وغير ذلك من المقاصد الصالحة ، لا للمفاخرة والمباهاة وفيه جواز تأويل القرآن بما يفهم من الإشارات ، وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمه في العلم ، ولهذا قال على رضي الله تعالى عنه : أو فهما يؤتيه الله رجلا في القرآن . ( 3 ) ( المرجع السابق ) : 6 / 779 ، باب ( 25 ) عاملات النبوة في الإسلام - حديث رقم ( 3627 ) وأخرجه أيضا في كتاب المغازي باب ( 52 ) بدون ترجمة حديث رقم ( 4294 ) ، وباب ( 84 ) مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته ، حديث رقم ( 4430 ) . ( 4 ) ( سبق تخرجه ) .